THEVESTLYCEE
مرحبا بك في منتديات تبسة التي تهتم بالتعليم الثانوي . نرجو منك زائرنا الكريم التسجيل والمشاركة معنا ونتمنى لك اطيب الاوقات في رفقتنا.

بناء الذات المسلمة ... مراحلها ومشكلاتها

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

بناء الذات المسلمة ... مراحلها ومشكلاتها

مُساهمة  spiderman في الخميس ديسمبر 24, 2009 9:36 pm

بقلم: عمر حيدوسي - باتنة
أي قيمة لهذه الحياة إذا لم يكن فيها الإنسان؟ وأي قيمة لهذا الإنسان إذا بني على غير هدى ولا بصيرة ولا استقامة؟ أي قيمة لبناء البيوت الشاهقة الفرهة إذا لم يعش فيها إنسان سوي البناء؟ بل أي قيمة لأي بناء وإن كان مسجدا إذا لم يعمر بذات مسلمة صالحة مصلحة؟ ما المقصود ببناء الذات بناء الذات هنا معناه صياغة الإنسان بالأنموذج الإسلامي وتغييره وفق قيم الإسلام ومرجعيته الحضارية. لتأهيله لتمثل هذا الدين وتمثيله كحركة وكمشروع تغييري يؤطر المجتمع والحياة بالإسلام ويصنع التاريخ، أداء للأمانة، وتحقيقا للشهادة، وتسخيرا للسنن، وإعمارا للكون، واستخلافا لله، وتعبدا له سبحانه، وابتغاء لجنته ورضاه.

بناء الذات فريضة وضرورة
إن بناء ذات الإنسان هو الواجب الأكثر استعجالا في هذا الوجود، وهو فريضة شرعية وضرورة حضارية.

* والفريضة الشرعية لبناء الذات المسلمة نتلمسها في نصوص وتشريعات عدة؛ ويكفي دليلا وصف الحديث الشريف للإسلام ككل في شكل بناء: «بني الإسلام على خمس ...»، وتشير الآية الكريمة إلى تكامل بناء الذوات ليصير المؤمنون بناء متراصا: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص}. ولذلك يلخص النبي -صلى الله عليه وسلم- رسالته التغييرية في جهد بنائي: «إنما بعثت معلما» ولا تخفى دلالة التعليم على بناء الإنسان. بهذا الطرح يصير بناء الذات منهجا إسلاميا متكاملا يحتاج منا إلى وعي وممارسة.

* وإضافة إلى البعد الشرعي فإن بناء الذات ضرورة حضارية يقتضيها الترقي البشري روحيا ومعرفيا وسلوكيا في ظل الأنموذج الإسلامي السوي، كما يقتضيها تدني الأنموذج الغربي بالإنسانية. فيشترك إذن الموروث التاريخي الإسلامي مع الواقع المعيش في بيان ضرورة إعادة بناء الذات وفق الأنموذج الذي زكاها لا وفق الذي دساها.

مراحل بناء الذات

إن الوعي بفريضة وضرورة بناء الذات غير كاف لتحقيق الذات، لأن ذلك منبن على عملية ذات مراحل يجب أن تعجن الذات الإنسانية من خلالها لتصاغ صياغة مسلمة.

ويمكن أن نلخص هذه المراحل في ثلاث:

أولا - مرحلة التأسيس:

لا يمكن أن نصوغ إنسانا بأي قالب ديني او فكري قبل أن نجعله مستعدا لتقبل هذه القولبة نظريا وعمليا، وهذا هو التأسيس، ويمكن أن نستعير صورة نقل الدم أو الأعضاء لنتحسس ضرورة التأسيس، فمن السذاجة أن نضخ الدم أو نزرع العضو ثم ننتظر النتيجة: يستجيب أم لا يستجيب؟! إن عمليات التهيئة والإعداد في عملية دقيقة كهذه أخطر بكثير من الإنجاز الميداني. وكذلك الأمر في عالم التربية والأخلاق.

والتأسيس المقصود هنا نظري وعملي؛

- فالتأسيس النظري يمثل عملية المراجعة لتهيئة القناعات وتوجيه التصورات، أو بعبارة أخرى صناعة الإخلاص .

- أما صناعة الصواب فتحتاج لتهيئة عملية واستعداد مادي للإنجاز، وهذا ما أقصده بالتأسيس العملي.

وإذا أردنا تقريب الفكرة أكثر نصوغها في تساؤلات. ففي سياق أي عملية تربوية لا بد من تحضير المتلقي وتزويده بإجابات كافية عن تساؤلات مثل: هل علي أن أتغير؟ لماذا يجب أن أبني ذاتي؟ وما الجدوى من العملية التربوية برمتها؟ هذه التساؤلات تعبر عن الحاجة لتأسيس نظري .

بعد الإجابة عن هذا الصنف من التساؤلات نحتاج لإجابات عن تساؤلات عملية تعبر عن الحاجة لتأسيس عملي، من مثل: كيف أتغير؟ وما السبيل إلى بناء ذاتي؟ ...

ثانيا- مرحلة الإنجاز: بعد تحقيق المراجعة والتهيئة وتجميع ضمانات الإخلاص والصواب يكون البناء ممارسة وإنجازا ميدانيا بصياغة الذات وفق القناعات والتصورات النظرية على ضوء الكيفيات والآليات العملية.

ويتم البناء وفق أبعاد وعوالم الصياغة الثقافية روحيا ومعرفيا وسلوكيا وإنجازيا، أي بتكامل عوالم البناء الحضاري للذات المسلمة. فيتوجه العمل التربوي التغييري إلى بناء الروح كنقطة ارتكاز لتفعيل السلوك عبر ممر أساس هو أخلاق القلوب من توكل وتوبة ومراقبة ومحاسبة...

كما يتوجه بالتوازي إلى بناء العقل معرفيا، بالتأصيل لمنظومته العقدية والفكرية والمنهجية.

ويتوجه أيضا إلى بناء السلوك وفق منطق عملي جاد يراعي المسؤوليات والانسجام والجماليات.

ثم يتوجه مع ذلك إلى بناء القدرات والخبرات الانجازية المزودة للذات بالمؤهلات والكفاءات لتسيير الحياة والاتصال بها وفيها.

ثالثا- مرحلة المراقبة: لا تخفى على ذي لب ضرورة المراقبة الدائبة الدائمة لعملية البناء حتى لا تحيد عن أسسها وحتى يحمى الإنجاز ويحفظ من عوامل التلف التي تحملها إكراهات الواقع. والمراقبة وظيفة حاضرة في وعي المسلم في صورة روحية تجسدها التوبة كسلوك قلبي، وفي صورة معرفية يجسدها النقد الذاتي كسلوك عقلي، ثم في صور إنجازية يجسدها النقد الجماعي والضمير الجمعي. تصوير مادي وتاريخي وحتى لا يبقى الطرح في عالم المثل نعرضه على صورتين تطبيقيتين:

- صورة البناء المادي، فقبل الشروع في إنجاز أي عمران لا بد من تأسيس نظري يقوم به المهندس المعماري الذي ينجز البناء في عقله ثم على الورق ثم يخطط له في الميدان. يقوم المقاول بعد ذلك بالتأسيس العملي للمشروع فيحضر كل اللوازم ويتخذ كافة الإجراءات والاحتياطات.

يأتي إثر ذلك دور البنائين وأعوانهم في الإنجاز الفعلي لما خططه المهندس بما حضره المقاول. وسيشهد الميدان زيارات رقابة لتوجيه المشروع وحمايته من الأخطاء المؤدية لانهيار البناء وضياع الجهود والأوقات والأموال.

-بعد هذا التصوير المادي نستحضر صورة تاريخية أنموذجية تتمثل في بناء ذات النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة رضوان الله عليهم .

*بدأ البناء كله بالتأسيس النظري لصياغة شخص النبي -صلى الله عليه وسلم- وتحصينه ضد القلق الفكري الجاهلي، عبر تحصين خلقي [الصدق والأمانة] وتحصين تربوي [العزل الاجتماعي والخلوة].

وصاحب ذلك تأسيس عملي نمثل له بمحطات خاصة في سيرته -صلى الله عليه وسلم- من مثل شق الصدر والرؤيا الصادقة والإسراء والمعراج.

وكان الإنجاز الميداني عبر سلوكات النبي -صلى الله عليه وسلم- وتجاربه الحياتية التي صاغت ذاته الكريمة، في ظل تصرفاته الاجتماعية السوية منذ الجاهلية المنبنية على المخالطة والمشاركة الاجتماعية، ولنا العبرة ي مواقف كثيرة مثل حرب الفجار وحلف الفضول والتجارة والزواج بخديجة، ثم بمواقفه الدعوية سرا وجهرا، وإقامة وهجرة. وضمن كل ذلك كانت روح المراجعة والنقد حاضرة هي الأخرى، عبر المعاتبات الإلهية لبعض الاختيارات المفضولة كقصة الأعمى وأسرى بدر، بل وعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه روح المراجعة في مواقف كاختيار الحباب للموقع في غزوة بدر...

هذا عن ذاته -صلى الله عليه وسلم- ، وبنفس المنهج البنائي صاغ أصحابه:

* فقد أسس بناء ذواتهم نظريا عبر مرحلة الأرقم والشعب التي أجابت عن تساؤلاتهم التصورية للوجود.

كما أسس بناءهم عمليا عبر إجراءات ميدانية غطتها مرحلة الأرقم كذلك، مع بعض المحاولات كهجرتي الحبشة. ولذلك كان ذلك الإنجاز الأنموذجي الراقي روحيا ومعرفيا وسلوكيا وإنجازيا. ولنا في سيرة كل صحابي دروس عن رقي بنائهم وسمو ذواتهم، وتكفينا الإشارة إلى صفاء روح بلال المتحدي للألم، وسعة المنظومة المعرفية لسلمان الباحث عن الحقيقة، ثم قوة السلوك عند عمر بن الخطاب، وأعظم من ذلك الخبرة والقدرة في إنجازات الصديق رضي الله عن الصحالبة أجمعين..

أما روح الرقابة فنلمسها بجلاء في سلوك التائبين من أمثال الغامدية وحاطب وكعب...

مشكلات بناء الذات بعد هذه الوقفة مع مراحل بناء الذات المسلمة نظريا وتطبيقيا، أقول أن نجاح البناء قبل أن يتوقف على تلكم المراحل، يتوقف على معرفة الذات! نريد بناء الذات، لكن أي ذات؟ ما مدى معرفة الواحد منا لذاته؟ وهل نعرف حقا موقع ذواتنا من عملية البناء؟ أي: هل حددنا نقطة توقف البناءات السابقة، لننطلق منها في بناءات جديدة؟

إن الجهل بهذه الحقائق هو سر أدواء كثيرة أصابت الذوات المسلمة فأفسدت عليها صحتها. من أعظم هذه الأدواء:

الاستئنافية: فالكثير من أبناء الحركة الإسلامية خصوصا والأمة المسلمة عموما مولعون بالبدايات الصفرية، يعيدون الدورة التربوية تلو الأخرى كلما وقع انقطاع أو فتور أو فشل جزئي، دونما نقد ولا وعي بالمكتسبات المهدرة والأوقات الضائعة في نقض الغزل. فتجدهم يسخنون ويبردون كارين فارين لا يجاوزون مدى معينا، وكأني بهم يطلون على مشارف المدينة ثم يعود بهم الحنين والعجز إلى دار الأرقم!!

التراوح: أما المتراوحون فلا يعودون أدراجهم، لكنهم يستقرون في مستوى تربوي معين ولا يغادرونه، لضيق في الأفق وفقد ثقة في النفس، وابنهار فكري أو شخصي دفعهم لإغلاق باب الاجتهاد في بنائهم التربوي. والتراوح بلا شك يكبلهم بالركود فتأسن ذواتهم وتتعفن عقولهم في كهفهم في سبات لا يقظة منه!!

التردد: عندما يقوم البناء على ظنون لا على قناعات، وعلى حماس لا على إخلاص، حينها تنمو الذات المترددة، لا تثبت على مقال ولا على مقام. تملؤها الريبة والشك وسوء الظن، ولذلك نجد عصرنا يعج بالأمراض النفسية وبالحلول السحرية المختزلة في سورة قرآنية أو دعاء أو كوب ماء أو زيت مرقي!!

الفتور: تغلغل التخصص ­موضة العصر- في النفوس، وفي مناهج التربية وبناء الذوات، فتورمت الأبنية ونمت جدر على حساب جدر ونوافذ على حساب نوافذ، لذلك سرعان ما تخبو العزائم وتمل من الأحادية التربوية فتفتر وتضمر. وكأني بمسلمي اليوم بين مفرط في الجدية أو في الترويح، فلا يكاد الجاد يجد حتى يحتاج لمروح، ولا يزال المتروح يرفه عن ذاته حتى يصيبها القلق فتبحث عن هدف جاد تعيش لأجله.

التساقط: عندما نخطئ التقدير كما وكيفا يتساقط البناء.. كثيرا ما تراهن العمليات التربوية على ذوات من كيف منقوص ثم تتفاجىء بانهيارها في الطريق. وأحيانا يكون المنهج أو المنهاج المتبع فوق أو دون نوعية المؤطِرين أو المؤطَرين فيحدث حينها التساقط. وكم من مرة راهن البعض على الكم على حساب الكيف فكان الانفعال المفتعل ثم تلاه التساقط.

كل تلك المشكلات تدل على عدم اكتمال بناء الذات وسوء صياغة الشخصية، لذلك جاءت النوعية التربوية بتلك الرداءة والنقص الكمي والنوعي. ويمكن رد جميعها إلى عوامل منها:

- عدم حسم مشكلة البداية والنهاية في عملية بناء الذات.
- عدم الانفتاح على مجالات وعوالم جديدة.
- الفوضوية والفضائية في البناء. أقصد أن بعض المحاضن التربوية تمارس
- سياسة البناء الفوضوي للذوات فتصنع نوعا غريبا من الخلائط غير المتجانسة.
والبعض يؤسس لذات منبتة تعيش خارج مجال التاريخ، ليست بنت واقعها وعرف أهلها، لذلك تراها غريبة في شكلها وتفكيرها وممارساتها...
- الافتقاد إلى آليات الإخلاص والصواب وغياب المنهج وانتهاج العشوائية.
- الاستعجال وغياب روح الدأب والمواظبة وغياب الصبر وضيق الصدر.

ثنائيات البناء

بقي أن نشير إلى جملة حقائق تتعلق بموازنة البناء عبر ثلاث ثنائيات مؤثرة في عملية بناء الذات.

إن النجاح في بناء الذات المسلمة وصياغة الشخصية السوية لا يمكن أن يكون أبدا عملية فردية بل يجب أن يتم في سياق جماعي، فالجماعة تذلل صعوبات البناء وتختزل الوقت والجهد وتنقل الخبرة وتوزع المهام، وتضمن سلامة التأسيس ويسر الممارسة ودقة المراقبة وفعالية البناء ككل. والبناء الجماعي حصن وأمان من مخاطر الطريق. وإنما يأكل الذئب من الغنم الشاة القاصية.

لا بد من الموازنة الواعية بين البناء المادي والروحي. فالمهام الرسالية للروح لا يستوعبها إلا جسد سليم متحمل، كما أن الجسد الوديك يصير غير ذي قيمة مع خبو الروح، جثة فيل وأحلام عصفور! هل تغني الروح عن المادة؟ وأي رجاء في ذوات تهضم عشرات الكتب فكرا، ولا تقوى على حملها أو تحمّل الجلوس لمدارستها سويعات!

ثم لا بد من الموازنة الواعية كذلك بين البناء الكمي والكيفي. على العمليات التربوية الإسلامية أن تزود المجتمع بالكم والكيف اللازمين من الرساليين. ولذلك نرى المنساق وراء الكم يخرّج نوعيات مستعجلة نصف جاهزة، يلبسون ثوب المهندس ويحملون كفاءة التقني! وحتى توخي الكيف يقلل من فعالية وانتشارية الأنموذج الإسلامي في المؤسسات الاجتماعية.

هذه بعض الحقائق التي أراها ضرورية، لا يجب أن تغيب عن وعي كل من أراد فقه بناء الذات المسلمة مسترشدا بالنصوص القرآنية والحديثية والتجارب النبوية والبشرية سلفا وخلفا، ومستجيبا إيجابيا لإكراهات الواقع، حتى تتحسن النوعية التربوية الحركية كما وكيفا، فرديا وجماعيا، ماديا وروحيا. ويتزود المجتمع بذلك بذات مسلمة متكاملة متوازنة البناء، مؤسسة نظريا وعمليا، فاعلة ممارسة روحيا ومعرفيا وسلوكيا وإنجازيا، ومؤمنة مراقبة مسددة مقاربة، تصوغ الشخصية المسلمة الأصيلة المعاصرة، المؤهلة لريادة العملية التغييرية التي تعود بالمجتمع إلى سكة الإصلاح والصلاح، سكة البناء الإسلامي..

وختاما لا بد من القول أن هذه جملة خواطر تحتاج لأكثر تفصيل وتعمق، وإلى مزيد من الإثارة والإثراء من أهل الكفاية والكفاءة في مختلف التخصصات المرتبطة بالموضوع. وفي انتظار ذلك لا يجب التوقف عن إثارة القلق واستفزاز الواقع حتى لا يغلفنا النسيان وتستهلكنا يوميات الحياة فتشغلنا عن اهتمامات أساسية مثل موضوع مشكلات ومراحل بناء الذات.
منقول

spiderman
عضو
عضو

عدد المساهمات : 31
نقاط : 20774
تاريخ التسجيل : 03/11/2009
العمر : 44
الموقع : samir.2007.fr

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى